محمد ابراهيم شادي
72
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
نفسه ، فرأى أن ما ساقه من شواهد - على ما فيها من بلاغة وسلاسة - تتضاءل وتتزيف عند الآية الكريمة التي تفوق في كيفية الافتنان ، يقول في هذا : " فانظر إلى ما جمعت كلمات الآية من الوعد والوعيد والتبشير والتحذير ، وما يلزم هذين الفنّين من المدح للمختصين بالبشارة والذم لأهل النذارة " « 1 » . ولعله يشير إلى تميز الآية بأنها جمعت بين غرضين مختلفين في عبارة أوجز مما جاءت عليها الشواهد السابقة من نثر وشعر ، ثم إن في داخل هذين الغرضين غرضين آخرين ، فالوعد والوعيد استلزما مدحا وذمّا فتكون الآية قد تميزت بأنها أوجز في اللفظ وأجمع في المعاني والأغراض . هذا ما يشير إليه كلام ابن أبي الإصبع ، وربما يلحظ معه ما جاءت عليه صياغة الآية وبناؤها ، فلقد قامت أساسا على مقابلة خفية بين مصير المتقين ومصير الظالمين ، فمصير المتقين نجاة ، ومصير الظالمين هلاك ، ناهيك عما تتميز به الآية القرآنية من سمو المعنى لأنه يتعلق بمصائر الخلائق يوم القيامة مع رقي الغاية لأن فيها ترغيبا في التقوى وترهيبا من الكفر والظلم . 3 - باب الإبداع : يعرفه بداية بأنه " أن تكون كل لفظة من لفظ الكلام على انفرادها متضمنة بديعا أو بديعين بحسب قوة الكلام وما يعطيه معناه بحيث يأتي في البيت الواحد والجملة الواحدة عدة ضروب من البديع " « 2 » . ثم يقول : " وما رأيت ولا رويت في الكلام المنثور والشعر الموزون كآية من كتاب اللّه استخرجت منها أحدا وعشرين ضربا من البديع وعددها سبع عشرة لفظة ، وهي قوله تعالى ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ هود : 44 ] .
--> ( 1 ) راجع بديع القرآن 299 . ( 2 ) بديع القرآن 340 ويفهم من هذا التعريف أن تزاحم أنواع البديع وضروبه في الجملة نابع من قوة الكلام وتابع لغزارة المعاني ووفرة الدلالات ، وهذا مهم في الدلالة على توجه ابن أبي الإصبع إلى أن ضروب البديع والبلاغة في الكلام ليست ترفا ولا لمجرد تحسين صورة الكلام ولكنه تابع لوفرة المعاني ومرتبط بقوة هذا الكلام ، وربما قصد بقوة الكلام قوة نظم المعاني .